القرطبي

152

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( ألم يروا إلى الطير مسخرات في الجو السماء ما يمسكهن إلا الله ) قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وابن عامر وحمزة ويعقوب " تروا " بالتاء على الخطاب ، واختاره أبو عبيد . الباقون بالياء على الخبر . ( مسخرات ) مذللات لأمر الله تعالى ، قاله الكلبي . وقيل : " مسخرات " مذللات لمنافعكم . ( في جو السماء ) الجو ما بين السماء والأرض ، وأضاف الجو إلى السماء لارتفاعه عن الأرض . وفى قوله " مسخرات " دليل على مسخر سخرها ومدبر مكنها من التصرف . ( ما يمسكهن إلا الله ) في حال القبض والبسط والاصطفاف . بين لهم كيف يعتبرون بها على وحدانيته . ( إن في ذلك لآيات ) أي علامات وعبرا ودلالات . ( لقوم يؤمنون ) بالله وبما جاءت به رسلهم ( 1 ) . قوله تعالى : والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الانعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا إلى حين ( 80 ) فيه عشر ( 2 ) مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( جعل لكم ) معناه صير . وكل ما علاك فأظلك فهو سقف وسماء ، وكل ما أقلك فهو أرض ، وكل ما سترك من جهاتك الأربع فهو جدار ، فإذا انتظمت واتصلت فهو بيت . وهذه الآية فيها تعديد نعم الله تعالى على الناس في البيوت ، فذكر أولا بيوت المدن وهي التي للإقامة الطويلة . وقوله : ( سكنا ) أي تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة ، وقد تتحرك فيه وتسكن في غيره ، إلا أن القول خرج على الغالب . وعد هذا في جملة النعم فإنه لو شاء خلق العبد مضطربا أبدا كالأفلاك لكان ذلك كما خلق وأراد ، لو خلقه ساكنا كالأرض لكان كما خلق وأراد ، ولكنه أوجده خلقا يتصرف للوجهين ، ويختلف حاله بين الحالتين ، وردده كيف وأين . والسكن مصدر يوصف به الواحد والجمع . ثم ذكر تعالى بيوت القلة والرحلة وهي :

--> ( 1 ) في ج وو : رسلهم . ( 2 ) اضطربت الأصول في عد هذه المسائل .